------------------- 

تطل علينا وجوه كثيرة عبر مواقع التواصل الإجتماعي ليقول لنا أصحابها : هأمو اقرأوا كتابيا. وهذا حق لا ينكره عليهم أحد ، فالفضاء المفتوح الذي مهدت له الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) جعل الكتابة في أي شأن وبأي لغة جاءت حقاً مشاعاً لمن أراد. وأن الكتابة ليست عملاً صفوياً كما يدعي البعض. لكن من حقنا على من يكتبون أن يقولوا حسناً ، وأن يوفروا لنا المتعة ويفتحوا عبر كتاباتهم نافذات الوعي حتى يفيدوا ونستفيد.

ولأني أتابع - ما سمح لي وقتي الممحوق- ما يكتبه الكثيرون في الهم السوداني عبر مواقع الإنترنت فقد لفت نظرى منذ أمدٍ ليس بالقصير بعض الأقلام المميزة. توزعت تلك الأقلام بين أدب المقالة والشعر والتحليل السياسي. كما لفت انتباهي بعض الناشطين في كتابة المقال الساخر - أدب الإبتسامة. وهو كما يعلم الكثيرون نقد للحالة الإجتماعية بأسلوب كاريكاتيري لا يتوفر إلا لذي موهبة. ولهؤلاء جاء مقالي.

تعود كتابة المقال الصحفي الساخر في السودان إلى أكثر من نصف قرن. ولعل الكثيرين يذكرون أسماء لأدباء وكتاب سودانيين برعوا في هذا الفن إلى حد كبير، منهم على سبيل المثال لا الحصر: رحمي سليمان ومحمد توفيق(صاحب الجمرات) ومحمد عبد الله الريح (حساس محمد حساس). كان لهؤلاء وآخرين القدح المعلّى في رفد الصحافة السودانية بأفانين من النقد لظاهرات إجتماعية وبأسلوب يمتاز بالتشويق ورسم الإبتسامة على الشفاه. كما كانت لكل منهم بصمته في تناول أكثر من ظاهرة اجتماعية أو سياسية وتشريحها بأسلوب ساخر، وبعيد عن الإبتذال. بل إنّ كتاباتهم تفصح عن إلمام عميق بالثقافة والمعلومة العامة.

وفي زمن حصار الكلمة - في أيامنا هذه - والرقيب يحاول أن يتسلل عبر طوب المنازل ، والدفاتر وخطابات العشق والغرام ، بل عبر غرف النوم إن وجد إلى ذلك سبيلا- أقول في أيام القحط الضارب أطنابه في كل مجال في بلادنا لم تقف الكلمة رغم الحصار. وحتى لا أذهب بعيدا عن القصد من وراء هذا المقال أقول إلى بأن أدب المقال الساخر لم يتوقف.. بل إن الكلمة الساخرة حاصرت الرقيب عبر الصحيفة الورقية وعبر مواقع الإنترنت ، لتفضح دولة الفساد والسرقة و لتفضح بعض نتوءات سلوكنا الإجتماعي. من حسنات الكتابة الساخرة أنها تعطيك المعلومة وتسهم في فتح نوافذ الوعي لكن بأسلوب ساخر وضاحك يذهب عنك الملل. وذلك أمر لا يقدر عليه إلا ذو موهبة.

سعدت - وأنا أتابع مواقع التواصل الإجتماعي- أنّ معين هذا الإرث الأدبي والصحافي الراقي في بلادنا- لم ينقطع. بل إنّ فرساناَ طلعوا من أوجاع شعبنا ومراراته، تنكبوا أقلامهم وليكتب كل منهم بأسلوب يميزه عن الآخر، راسماً على وجه من يقرأ ابتسامة وعافية وليفتحوا نافذات للوعي الذي نحتاجه اليوم أكثر من حاجتنا لأي شيءٍ آخر. وحتى لا أردد مثلنا الخائب والجاحد (الله لا جاب يوم شكرك) ، فإنني أتقدم بتحية ومحبة للأدباء والصحافيين الذين أمتعونا بكتاباتهم الساخرة والواعية ، وأخص على سبيل المثال لا الحصر: الفاتح جبرا (ساخر سبيل)، جعفر عباس (ابوالجعافر)، رأفت ميلاد ، محمد سوركتي (سوركا) وطارق جبريل. وأعتذر لمن سقط اسمه سهواً لا عمداً. وأقول لهم : إمضوا في فعل التحريض عبر الكلمة، فما الكتابة إن لم تكن تحريضا على الوعي وسمو القصد !؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.