.
.
أعمال مترجمة عن موقع "Le Réseau Social"
الجزء الثانى:
.
ما الحكمة إذن من إرسال تعليمات إلهية منحوتة علي ألواح من الحجر، على شخص لم يكن بإمكانه فك شفرتها، ألا وهو موسى عليه السلام، الذي كان قد تربي وتعلم علي التقاليد واللغة المصرية القديمة ؟ لكن إذا ما كان موسى (كما تقول الأسطورة) قد تربى كمصري من الطبقة الراقية، فهل من أدنى إحتمال ألا يكون قد تعلم اللغة المصرية القديمة؟.
.
إن العبرانيين لم تتح لهم الفرصة لتعلم القراءة أو الكتابة باللغة الهيروكلوفية، لأن ذلك كان يتطلب مهارة نادرة تستوجب سنينا من الإعداد الرفيع، أضف لذلك فإن حظوظا كتلك لم تكن في الأصل متاحة إلا لطبقات عالية في الهرم الإجتماعي للأسر المصرية.
.
كما أن الكشوفات والحفريات الأثرية لم تستطع حتي الآن العثور علي ما يمكن أن يؤيد حادثة النزوح الجماعي الكبير وما سبقه من الإستعباد، كحادثتين وقعتا للعبرانيين في مصر القديمة. إنما بإفتراض أن قصة النبي موسى قد جرت هناك، في مصر القديمة، فإن الوصايا العشر بالإضافة لبقية الألواح المقدسة، يتوقع أن تكون قد كتبت بلغة المصريين القدماء. لكن ذلك لم يكن الحال بإجماع اللاهوتيين، إذن أين ذهبت الحلقة المفقودة.
.
بما أن نبي الله موسى لم يكن في مصر قبيل النزوح الجماعي الكبير، إذ لم يكن حينها برفقة العبرانيين إنما كان في مدين. الواقع أن موسى بعد فراره من مصر كان قد تسنى له دون حاجز زمني، التواصل دون مَشقّةٍ تذكر بأهل مدين، وإقامة المحادثات مع الأهالي هناك، إن ذلك في مجمله يبعث علي الإستنتاج بأن الناس في مدين كانوا يتحدثون لغة المصريين القدماء نفسها، بينما أن وقائع التاريخ ربما لا تدعم تلك الفرضية إطلاقا.
.
إن فهما خاطئا قد ساد في أوساط المؤرخين بإعتبار أن أهل مدين قبيلة عربية، أو أنها تَجمُّع من القبائل العربية تسكن في شمال غربي جزيرة العرب. إلا أنه بالمقابل فإن خطأ المؤرخين لا يبدو في تصنيفهم لإهل مدين كقبيلة عربية، إنما حدث ذلك حينما حددوا أن موقعهم كان في مكان ما في الجزيرة العربية علي تخوم مصر. هذا بينما أنه وفقا لمعايرة التقاليد والعادات العربية القديمة والمخطوطات، فإن الموقع الأصلي لمدين يقع منذ زمن ساحق في جنوب غرب الجزيرة العربية، وبتوضيح أكثر في منطقة اليمن القديم بالذات. إذ ن جبل النبي شعيب، صهر موسى عليه السلام، إنما يقع في أرض اليمن، بل أنه يُعدُّ من أهم القمم الجبلية في جزيرة العرب بكاملها.
.
لو أن أهل مدين كانوا قبيلة عربية قديمة فمن المفترض أنهم كانوا يتحدثون بلغة أو لهجة العرب في ذلك الزمان. هل يا ترى أن النبي موسى كان يتحدث لغة المصريين القدماء، أم إحدى لهجات العرب في ذلك الزمان القديم؟. إنه إحتمال من العسير تحققه، إذن فكيف بالإمكان العمل على تفنيد تلك المفارقة ؟.
.
عندما خاطب الله النبي موسى، فبأي اللغات كان الحديث، هل كان بلغة المصريين القدماء، أم بلهجة العرب في ذلك الزمان ؟. أرجو هنا أن توفروا علي مشقة الإدعاء بأن الحديث ما بين موسى وربه قد تم من خلال تفاهم ميتافيزيقي لا يتقيد بمنطق اللغات، لأنه حتي أشد الحاخامات تطرفا لم يذهبوا في المغالطة لذلك الحد.
.
في اللحظات التي يعتقد فيها حدوث النزوح الجماعي الكبير لبني إسرائيل، إن لم تكن قد تطورت حتي ذلك الوقت هجائية أو لغة مكتوبة في محيط ما يعرف حاليا بالشرق الأوسط، بخلاف مصر، فإن واحدة من اللغات المتمثلة في السومرية والعربية واليمنية، قد تكون هي اللغة التي نُحتت بها الوصايا العشر على الحجر. ربما من المستبعد أن تكون السومرية أو المصرية القديمة واردتين في هذا السياق، مما يحملنا للتساؤل من جديد، ماهي اللغة الأقرب إحتمالا في أن تكون لغة التخاطب التي إستخدمها المولى عز وجل في نحت الوصايا العشر علي الحجارة، فإذا كان من الواضح أن السومرية والمصرية القديمة تبدوان بعيدتا الإحتمال هنا. إن كل ما تقدم من سرد يضعنا أمام إحتما ل واحد ألا وهو أن تكون الوصايا العشر قد كتبت باللغة اليمنية القديمة.
.
يجدر الإنتباه كذلك إلي أنه ليس بعيدا عن اليمن، فإن الكنيسة الأرثوذكسية والمشيخية الإنجيلية الإثيوبية الحديثة، يبدوان علي قناعة تامة أن أرضهما ظلت عبر العصور تنطوي على تابوت العرش، السر اللاهوتي الذي يعتقد الجميع أنه قد تم فقدانه إلي الأبد.
.
لكن هذا الإستنتاج ربما يربك جغرافية قصة النزوح الجماعي الكبير، سواءً من مصر القديمة أو من جزيرة العرب واليمن. من جهة أخرى فإن ذلك يشابه، لحد بعيد، في نظر الكثيرين كون أن جزيرة العرب واليمن، لم تكونا في الحقيقة سوي موطن للإسرائيلين القدماء (الخالدون) الذين كانوا يقطنون هناك في الأصل، هناك من حيث إنطلقت قصتهم وأساطيرهم القديمة، والتي من ضمنها قصة النزوح الجماعي الكبير.
.
إن السؤال الحيوي ربما يتركز فيما إذا كانت عقيدة الكنيسة الكاثولوكية الرومانية أو ما صرنا نسميه اليوم بالعهد الجديد تقوم في الأساس علي ثقافة معرفية حقيقية بتقاليد عربية. إننا نطلق عليها خطأً مسمى العهد الجديد أو إنجيل العبرانيين، لأن ذلك لا يعدو كونه مصطلح إغريقي، بينما في أوساط العرب والإثيوبيين فالناس يصطلحون علي تسميته بالتوراة.
.
.
إنتهى

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.