عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(١)
المياه تجري في الجُروف عند الأصيل ببراءة ريفية، والطيور تغرد هنا وهناك كأنها ترحب بالاُسر التي هربتْ بأطفالِها من ضوضاء المدينة و صخبها، و قصدوا هذه الخمائل الوارفة على ضفاف النيل للترفيه عن أنفسهم. تمددتُ على البساط تحت النخلة التي ألفتها وألفتني والتي لم تبخل يوماً بظلالها ذهاء ثلاثة أعوام، إذ كنت أقصدها كلما أحتجتُ لبُقعة هادئة تحفزني على جمع أفكاري وأشواقي المبعثرة. وبالرغم من إني لم أبوح للنخلة صراحةً عن إمتناني لها، بيد اني كنت أعلم أن في صمتِها ترحيب شديد بزياراتي المتكررة لأحضانها. لكن اليوم، وبدلاً من الشروع في كتابة الرسالة التي كنت بصددها، تجدني أوحل رويداً رويداً في رمال متحركة من اسئلة فلسفية على شاكلة (( لماذا يقلب الحاكم لرعيته ظهر المجن ويصبح جلاداً طاغية؟)) و ((لماذا يقتل الانسان أخاه الإنسان في ومضة البصر؟))، و أسئلة اخرى كثيرة لاشك انها ظلت تشغل الإنسان منذ فجر التاريخ. ولكن بعد مضي بعض الوقت وأنا في دوامة من تفكير عقيم، أيقنت بعدم الجدوى في الاستمرار في التفكير في مثل هذه الامور التي قد تؤدي لزعزعة ثقة المرؤ بأخيه الإنسان لاسيما في وقت الشدائد، وعليه أثرتُ أن أذكر نفسي بالوعد الذي قطعه الشاعر الهندي الكبير ((رابندرنات طاغور)) عندما قال "مهما يكن من شيء فاني لن ارتكب الخطيئة الخطيرة: خطيئة فقدان الايمان بالانسان ... بل سأظل اتطلع بأمل الى تحول في مجرى التاريخ ...وتصفو السماء ثانية وتهدأ... وربما بزغ الفجر الجديد من افقنا هذا، افق الشرق، حيث تشرق الشمس. وعندئذ تهب روح الانسان التي تهزِم لتقوده من جديد الى طريقه، طريق التقدم رغم كل العو ائق، ليسترد تراثه الضائع".
صديقي العزيز،
تحية طيبة وبعد،
اسمح لي أولاً أن أشكرك شكراً جزيلاً على إلحاحك الصادق على مواظبة المراسلة بشتى السبل حتى عبر ((البريد المغرم)) والذي ذكرت في رسالتك انه لا يكلفكم أكثر من سعر الصحيفة اليومية، وهذا مبلغ زهيد لاسيما انك ذلكم المثقف الذي يتصفح ثلاثة صحف يومياً. لكن وبالرغم من معقولية منطقك وأهمية التواصل، لقد ترددت بعض الشئ في الكتابة تحت الظروف الحالية، لكنني رأيت أن أغتنم هذه السانحة لكي نوافيك ببعض تفاصيل المظاهرة الطلابية الاخيرة، وايضاُ لكي ندلو بدلونا في موضوع ((الزمن الجميل)) و مادراك الزمن الجميل الذي ذكرت في خطابك أن ثمة جدلاُ كثيفاً قد دار حوله في الصحافة المحلية في الآونة الاخيرة.
أود أولاً أن نؤكد لكم بأنه لم تكن هناك مواجهة أثناء المظاهرة كما يزعمون في الصُحف الرسمية، وان كل الذي حدث هو ان السلطات الأمنية إقتحمت المسيرة السلمية وإنهال أفرادها على المتظاهرين بوال من القنابل المسيلة للدموع، وذلك لفض مظاهرة سلمية نددت بتلكؤ السلطات في حسم ترسيم حدود البلاد. لقد خرجنا بالأمس ضد هذا التسويف الجائر، وسنخرج مراراً وتكراراً حتى تخرج الجهات المعنية من صمتها المعيب وتتخلى عن خططها الشيطانية هذه مثلما ارغمناها من قبل على التخلي عن العبث بمياه النهر العظيم عبر مشروع "جارتنا العزيزة." أطمئنكم، إذاً، بأن جميع الطلاب والطالبات بخير، إذ اُسعِف المصابون منهم ، كما تم اطلاق سراح المعتقلون منهم. لا يفوتني أن أؤكد لكم أيضاً بأننا ملتزمون بالتحصيل الأكاديمي جنباً لجنب مع لعب دورنا الحيوي فيما يلي شؤون الوطن ومستقبله، و نحن على ثقة عالية على أننا سنحقق التوازن المنشود بإذن الله، وسوف لن ننحاز لاي دور من هذه الادوار أكثر مما يقتضيه الواجب.


(2)
لكن قبل أن أخوض في موضوعات هذه الرسالة، تقبل ياصديقي احر التهاني مرة اخرى بمناسبة الوظيفة الجديدة في تلك المؤسسة العريقة التي سبقكم الى سلكها بعض عمالقة الفن في بلادي وأخلصوا في خدمتها وفي خدمة البريد بقدر ما اثروا الساحة الفنية والغنائية في الوطن، ولعمري هذا شرف عظيم، وعليه قد ابدى الاصدقاء سعادتهم بتوزيع التمور وحلوى ((الماكنتوش)) إحتفاءاً بهذه الوظيفة التي حفزت زملاءنا في الصفوف النهائية بالمدرسة. ان الفرحة العارمة هنا اصبحت فرحتان، أولاً لأنكم تحصلتم على وظيفة لائقة، وثانياً لانكم تحصلتم عليها بعد نهاية الدراسة بفترة ليست بطويلة نسبياً. وتستحضرني في هذه السانحة قصة جارنا الودود الذي ترك الخدمة في المؤسسة الحكومية مؤخرا وولج مجال الأعمال الحرة.
على الرغم ان الجار رجل ميال للصمت والتأمُل، ليس هناك تحت الشمس ما يثير حفيظته الى حد الثورة وإلقاء ((الوعظ)) أكثر من الشكوى عن قسوة الحياة ووعورة دروبها بصفة عامة و الشكاوي الكثيرة التي يرددها شباب اليوم عن طول مدة البحث عن العمل بعد التخرج في الجامعة أو من المدرسة الثانوية بصفة خاصة والتي يعتبرها الرجل انها شكاوي غير مبررة. كان الجار يثور كالبركان كلما إشتكى أحد الشُبان عن الصعوبة التي تواجهه في البحث عن الوظيفة، ويبتدر الرجل احتجاجه دائما بتذكيرنا بضرورة توخي الدقة في طرح المشكلات والنأي بانفسنا عن "إطلاق الحديث على عواهنه"، لاسيما عند الحديث عن الموضوعات التي توجد لها احصائيات مدونة ودراسات موثقة مثل نسب البطالة في وسط فئة الخريجيين من حملة الدرجات الثانوية والجامعية، ومتوسط دخل الفرد في المدن، ونسبة التضحم، والقوة الشرائية للعملة المحلية وهلما جرا. عليه يفتي الرجل ان ما شكوى شباب اليوم عن ضيق فرص العمل والمعاناة في البحث عن الوظيفة إلا انعكاساً لحالة النرجسية والانفصام عن الواقع التي يعيشها شباب بلادي. ولا ينسى الجار أن يذكرنا دائماً بأننا جيل لم يعرف المعنى الحقيقي للمعاناة والجري المضني وراء الوظيفة والوقوف كثيراً و لأمد طويلة في الصفوف أمام مكاتب العمل، وذلك، على حسب قوله، لأننا وجدنا الدرب أمامنا مفروشاً ببساط أحمر سميك يقي أقدامنا من خشونة تضاريس الدرب وحفره الكثيرة. وكان الجار الوفي يسترسل أو يختصر في ((وعظه)) وفقاً لمزاجه في ذلك اليوم، بيد اننا كنا نعلم دائما بقرب نهاية ((الوعظ)) عندما يخرج الرجل سيجارةً من جيب جلابيته القصيرة ويضعها في فمه برهة ثم يمسك بها دون ان يشعلها، وينظر الى الارض ويغيب لحظة ويبدو تائهاً في أزمان بعيدة، ثم يتأملنا بعينين عجيبتين أستعصى علينا فك طلاسمها كما استعصى علينا ادراك سر الدمعات الطرِفة التي ترقرق دوماً في مقلتيه والتي تتشبث بطرفي عينيه دوماً بدون ان تسيل أبداً، الأمر الذي يجعل عينيه تبدوان كزنابق تطفو بلا حراك فوق قدير ساكن من الحزن النبيل بينما تظل جزورها مطمورة في قاع زمن حزين. ولقد عِلِمنا لاحقاً أن الدموع لم ترحل نهائياً من مآقي الرجل منذ أن خطف القدر زوجته العزيزة في ((طريق الموت)) وذلك عندما كانت في طريقها لزيارة والدها العليل في وسط البلاد، إذ كانت زوجته وأسرته الصغيرة تشكل محور حياته بعد أن أعتزل لعب كورة القدم. ولما رحلت الزوجة وتزوجت إبنتاه ورحلتا بعيداً، وهن عزيمة الرجل وإضمحل بريق عينيه واحتل الحزن محياه الوسيم، وشحبتْ ذاكرته بعض الشئ، ثم ينسى الرجل اليوم بأنه قد سألنا مراراً من قبل ويسألنا الآن كما سيسألنا في كل مرة اخرى عما إذا سمعنا قط عن ((بند العطالة)) وما أدراك ما ((بند العطالة)).

(3)
يشمر الرجل لاشعورياً عن ساعده الايسر حتى تتجمع رُدن جلابيته على كتفه، ويتراى لنا بقعة صغيرة بيضاوية الشكل في أعلى ذراعه والتي هي عبارة عن أثر إبرة التطعيم ضد مرض الجدري. وبسبب أو بدونه، يقوم الرجل لاشعورياً بتدوير تاج ((زمبليك)) ساعة ((جوڤييال)) التي تزين معصمه، ويفعل كل ذلك بدون أن ينظر الى ساعته وكأنه يخشى أن تتوقف الساعة عن العمل ويتوقف الزمن أيضاً كما توقفت نبضات قلب زوجته العزيزة بدون سابق إنذار. ثم يروي لنا الجار كيف أن البحث عن وظيفة تسد الرمق أنهكه شر انهاك بعد أن اختار درب العمل بعد تخرجه من المدرسة الثانوية. ويقول الرجل أن اليأس كاد ان ينال منه لو لم يأتي أحدهم باسلوب ذكي لتشغيل الكم الهائل من الشباب تحت برنامج خصصت له الخزانة ميزانية خاصة تحت بند خاص عرف حينها في الشارع ب((بند العطالة). ثم يختم الجار ((وعظه)) بالتذكير بأن جيلنا لم يعرف التعب بعد، وان الزمن بلاشك يحمل في جعبته مفاجأت غير سارة، عليه، يقول الرجل بأن فرص العمل ستتلاشى عندما يتخرج مئات الالآف من الشبان والشابات في الجامعات والمعاهد العليا والتي قال انها أخذت تتكاثر كالبراغيث وبدأت تتخذ لها ((مستعمرات)) في كل أرجاء المعمورة حتي في ((ديم سلمان))، على حد قوله. وبعد برهة من صمت مبهم يمسك الجار بسيجارته بين شفتيه المسودتين لكن بدون ان يشعلها. عجيب! لا نحسب ان الرجل اشعل سيجارة واحدة قط في اي مرة من المرات الكثيرة التي كنا في مجلسه، ولا نعتقد انه إمتلك قداحة أو علبة كبريت يوماً.منذ أن التقينا به لأول مرة قبل سنوات خلت.
يحني الرجل راسه قليلاً، ثم يأذن لنا بالذهاب وذلك بإشارة رقيقة من يده، مصحوبة بإتسامة تهكمية تجثم على شفتيه اللتين كحلها دخان السيجائر. وننهض من مجلسنا على الأرض، ويضع كل منا زجاجة ((بزيانوس)) الفارغة في الصندوق الخشبي بجوار الزير الكبير، وننصرف من أمام الدكان الصغير الذي يملكه الجار في ناصية المربوع والمطل على الميدان الفسيح.

(4)
لاشك ان الجار، مثلنا وشأن معظم سكان هذه الضاحية العاصمية المحافظة، قد وفد الى هذا الحي الهادئ من احدى أحياء المدينة الكبيرة، و لكنه سرعان ما أصبح من ركائز الحي ومحبوب الشيب والشباب معاً. كنا نعرفه فقط بلقبه ((الكوري)) الذي يناديه به الكبار. وكنا نضحك كثيراً اثناء المران في ميدان كورة القدم عندما ينهض ((الكوري)) من مقعده أمام دكانه ويصيح غاضباً لان زميلنا المدافع الملقب ب((الصيني)) اعتاد على التقهقر امام مهاجم الفريق الآخر بدلاً من مواجهته فوراً ((بالعنف القانوني)). وكان للمدافعين مكانة خاصة في قلب ((الكوري)) الذي حزن كثيراً عندما هاجر زميلنا ((الصيني)) اولاً الى اليونان، ثم الى ((بلاد العم سام)) حيث طاب به المقام.

(5)
كان يجذبنا إلى الرجل علمه الغزير في فنون وقصص كورة القدم، واسلوبه الجذاب في السرد، وكليشيهاته الساخرة عن حوارات ((بيزنطية)) وإجتماعات مطولة مثل ((مؤتمر باندونغ)) وثمة اُناس يقطنون ((بلاد الواق واق)) وآخرون قادمون من ((تمبكتو)). وكان الرجل يروي لنا في لحظات نادرة عن ((زمنهم الجميل)) وحب جيله للثقافة والفنون والرياضة، ويحكي كيف كان يترجل من الحافلة عند ((لفة المطار)) ثم يسير على الأقدام شرقاً، مروراً بالمدرسة ((الإصلاحية))، وذلك لكي يستمع لشاعر القرية وهو يلقي بعض قصائدة في النادي الرياضي. وكان الجار يحُضنا دوماً على الاعتزاز بإنتمائنا الى هذه القرية التي أنتقلت الى وجدان الشعب من حديقة خلفية للعاصمة تمدها بالخضار والرُطب وبساتين للرحلات، إذ رفدت هذه القرية الساحة الفنية بشاعر فذ تغنى له اشهر الفنانيين باغنية خلدت إسم القرية جنباً لجنب مع محصول ((اللوبيا)).

(6)
عِلِمنا بعد مرور وقت طويل أن الجار استحق لقب ((الكوري)) عن جدارة نسبة لعنفوانه كمدافع في ميادين كورة القدم، إذ كان مثل ((الضراب الكوري) يصعق المهاجمين الخصوم بقوة و((يشتتهم)) والكورة معاً من أمام مرمى فريقه كما يبعثر ((الضراب الكوري)) القطعات البلورية في لعبة ((البلي)) الشعبية. وأشتهر الجار لاحقاً بلقب ((خوري الكوري)) وذلك بعد ان أطلقنا عليه لقب ((خوري))، اي الكاهن، وذلك نسبةً لاسلوبه الابوي المحترم وكرُمه الحاتمي وحياته الروتينية الموزعة بين البيت والدكان ومشاهدة كورة القدم أمام دكانه ورعاية والدته العجوز، فضلاً عن موهبته الطبعية لتكرار ((الوعظ)) عن أي موضوع ركيك مثل ((بند العطالة)) باسلوب شيق يشدك إليه وكأنك تسمعه لاول مرة.
وبما أننا بدأنا نتعرف أكثر على جارنا الودود، إلا أن فضولنا ظل طاغياً لفترة طويلة لمعرفة سر عدم ولعه بكل ما هو وافد من ((ديم سلمان))، وإقحامه لهذا الحى العريق بطريقة سلبية في جل الامثال التي ترد على لسان الرجل. إكتشفنا لاحقاً أن فريق ((ديم سلمان)) لكورة القدم كان الخصم اللدود للفريق الذي كان يلعب الجار مدافعاً في صفوفه في ((السنترليق))، وكان اللاعب ((كتباس))، مهاجم فريق ((ديم سلمان))، بمثابة الكابوس المرعب للمدافعين و((التمساح العلى ظهره الخبوب والطين)) في عيون حراس المرمى، إذ كان يخيفهم ويراوغهم ويلعب بهم كما كان يفعل اللاعب البرازيلي ((قارنشا/جارنيشا) بخصومه. ويبدو أن جارنا العزيز لم يُكتب له الشفاء حتي يومنا هذا من ((كتباسوفوبيا وديمسلمانوفوبيا)).

(7)
صديقي العزيز،
يبدو ان الوقت قد داهمني على حين غرة، إذ أخذتني ((الهامشية)) بعيداً عن الموضوع ((المركزي)) و وجدت نفسي أتجول في حي من أحياء ((الزمن الجميل))، عليه استميحك عذراً، و ربما وجب على ان أكتفي بهذا القدر حتى ألتقيك في الخطاب القادم الذي سأحاول فيه أن أدلو بدلوي في جِب موضوع الزمن الجميل ومادراك ما الزمن الجميل، لكن دعني أتفلسف أو ((اتفلفس)) قليلاً في ذيل هذه الرسالة عن مفهومي الزمن والجمال عند الفليسوف الألماني ((كانت)). أتفق كلياً مع ما ذهب إليه الألماني بأنه ليس هناك زمن خارج إطار النفس البشرية، عليه نعيش في الزمن لأن الزمن يعيش في دواخلنا. ولأن أبداننا تعيش الزمن في مكان أو أمكنة معينة، تقترن الزمن بمكان أو بأمكنة بعينها، وعليه يلتقي الزمن بالمكان في وجداننا ويتماحان في عجوبة ((الزمكنة)) والتي تشكل هي الاخرى سفسفائية ممتدة تحمل في طياتها الاحساس بنشوة النسيم وعبق الأمكنة. و من ثَم تتشكل شخصية الفرد و نظرة الجيل بأكمله للوجود والجمال داخل هذه السفسفائية. أما الجمال فهو شعور وحكم جميل في نسبيته، وذلك لانه يترك الحبل على الغارب ويمنح كل فرد أو كل جيل حرية تحديد مقاييس جماله. و نحسب ان الأزمنة كثيرة كالنيازك الممتدة على مدى المنظومة الكونية، فيما تبتعد بعضها عن نور الشمس وضوء القمر، بينما يحظى البعض الآخر بموقع فلكي مميز في مجرة درب التبانة. إذاً، كما أن هناك أمكنة جميلة هناك أيضا أزمنة جميلة. عليه، أن الزمن الذي نعيش فيه جميل لأنه يقع في مفترق طرق بين أزمان قادمة لاحت بوادرها في الافق واخرى ولت ولكن عبقها مازال طاذج كأريج المسك. ها نحن في الزمن الجميل مازلنا نتمتع بالمفردة الشعرية التراثية، ونطرب للغناء الجميل كما تغنى بها رواد الغناء، و لا نرى إي تناقض بين ذاك وبين إبداعاتنا الشبابية، وذلك لأننا نعيش في زمان وأمكنة تشكلنا بموروثها الثقافي ونزينها بحوية وإبداعات شبابية. إذاً، كيف لا نتباهى بجمال هذا الزمن و نحن نرى كيف يتفانى اساتذتنا الأجلاء في اداء واجبهم في تربية جيل متعلم ومثقف؟ كيف لا يكون هذا الزمن جميل ونحن نشاهد عمال المصانع يتضامنون مع الطلاب في المظاهرات السلمية بالأمس؟ كيف لا يكون هذا الزمن جميل ونحن نشاهد نساء بلادي وهن تقتحمن مجالات عمل لم تكن لهن فيها نصيب حتى وقت وجيز؟ الا يحق لنا أن نصف هذا الزمن بالجميل لأسباب كثيرة، و من بينها وجود المكتبات الكثيرة والتي تزخر بالكتب و المجلات الثقافية العالمية و الصحف الاجنبية والمحلية؟ وأخيراً وليس آخراً، ألا يزيد التواصل عبر ((البريد المُغّرَم)) الزمن الجميل هذا جمالاً وتميزاً؟ إذاً، "أيها الشاكي ومابك داء كن جميلاً تر الوجود جميلاً".
هذه القصة القصيرة مهداة الى الصديقين بابكر أحمد قسم السيد (خابيتا)، وعبدالمنعم (الصيني) في مدينة سان حوزي في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، وإلى عاشق كورة القدم السيد فضل (اللوري)، ، والكابتن عمر كتباس والشاعر الكبير الصادق ألياس ، و إلى روح الصديق المرحوم الدكتور عبدالعذيذ بطران صاحب كتاب (كورة زمان).

جوبا، جنوب السودان

11 اكتوبر 2017